حسن بن موسى القادري
45
شرح حكم الشيخ الأكبر
وقال بعضهم : أن الأعلى هو حدّ الإعجاز وما يقرب منه لا يكون من الطرف الأعلى كما مرّ تفضيله ، والشيخ قدّس سره ما التفت إلى هذا القول لضعفه وقلّته فافهم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . ( وأقام أشباح صور الألفاظ هياكل تدبرها أرواح المعاني بقوة الأسرار الزاهرة ) ( أقام ) أي : أدام ، و ( أشباح ) كشبوح جمع شبح متحرك الوسط أي : الشخص و ( الصور ) جمع صورة وهي : الشكل ، والمراد أشخاص الأشكال أو الإضافة بيانية أي : الأشباح التي هي صور الألفاظ أي : الصور الكائنة للألفاظ . و ( الهياكل ) جمع الهيكل وهو : الضخم من كلّ شيء وهو الشكل أيضا ، فالشيء من حيث تعينه شخص ، والهيئة الحاصلة من تأليف الأجزاء صورة وشكل ، والهيئة الحاصلة من تأليف الصورة مع المادة هيكل . فاللّه تعالى أدام أشباح صور الألفاظ وأشخاصها هياكل أي : فيها أو جعلها هياكل صفتها تدبرها أرواح المعاني الإضافة بيانية أي : الأرواح التي هي المعاني فشبّه صور الألفاظ بقوالب الأجسام وأبدانها ، فكما أن الهياكل الإنسانية تدبيرها بالروح ، فكذلك تدبير هياكل الألفاظ بمعانيها ، وتدبير هياكل الحروف بأعدادها فكمال اللفظ بالمعنى ، وكمال الحروف بالأعداد ، كما أن كمال الصورة بالروح فالروح للصورة ، والمعنى للفظ ، والعدد للحروف بمنزلة الجلاء للمرآة ، ويقال : أن اللّه تعالى أجرى سنته أن لا يساوي شبحا ومحلا إلا وهو قابل للروح والروح من أمر اللّه ، وهو يظهر بالنفخ وهو إفاضة الروح فالأمور ثلاثة : الفاعل وهو المفيض ، وفعله وهو الإفاضة ، والمفاض وهو الروح والكل منسوب إليه تعالى ، وبقي أمر رابع غير ظاهر استناده إلى الحق تعالى وهو القابل وهو من فيضه الأقدس ، وهو عبارة عن التجلّي الحبي الذاتي الموجب لوجود الأعيان الثابتة واستعداداتها في الحضرة العلمية ، والفيض المقدس الوجودي الموجب لظهور ما تقتضيه تلك الاستعدادات في الخارج ، فالأول أقدس وأنزه من شوائب الكثرة ، فالقابل أيضا منسوب إليه فالكل منه ابتدئه بحسب فيضه الأقدس ، ومنه انتهائه بحسب فيضه المقدس : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] بالفناء فيه آخرا كما ابتدأ منه عند الوجود عن عدم أولا ، فأرواح المعاني تدبر هياكل الألفاظ بقوة الأسرار المتلألأة المنورة المشرقة ،